الاثنين ، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ ، آخر تحديث الساعة ٠٣:٢١ صباحاً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - لائحة الخُمُس من زاوية اجتماعية
عمار الأشول

لائحة الخُمُس من زاوية اجتماعية

عمار الأشول
الثلاثاء ، ١٤ يوليو ٢٠٢٠ الساعة ١٢:٣٤ مساءً

بالتزامن مع ما يشهده العالم من احتجاجات سياسية واجتماعية ضد التمييز العرقي وكل أشكال العنصرية، لا سيّما بعد مقتل جورج فلويد على يد أحد عناصر الشرطة الأمريكية، تفاجأ اليمنيون في يونيو/ حزيران 2020، بلائحة تنفيذية لقانون الزكاة، صادرة عن سلطة جماعة أنصار الله (الحوثيين) تحت مسمّى “الخُمس”. تنصّ اللائحة على استقطاع 20% من ثروات البلاد لصالح بني هاشم، لحلّ  مسألة عدم جواز صرف الزكاة عليهم.

أثارت قضية إقرار سلطة أنصار الله (الحوثيين) هذه التعديلات القانونية، موجةً واسعة من الانتقادات السياسية والاقتصادية والفكرية، وتشكلت على إثر ذلك حملات إعلامية وثقافية مناهضة لها، معتبرةً أن سلطة جماعة أنصار الله (الحوثيين) بخطوتها هذه تجيّر النصوص الدينية لصالحها، وتعزز من الانقسام الاجتماعي على أسس عرقية.

وأبرز ما جاء في قانون “الخُمس 20%” المادة (47)، حيث تنص الفقرة (أ) على أنه “يجب الخمس في الركاز والمعادن المستخرجة من باطن الأرض أو البحر أياً كانت حالتها الطبيعية جامدة أو سائلة كالذهب، الفضة، النحاس، الماس، العقيق، الزمرد، الفيروز، النفط، الغاز، القير، الماء، الملح، الزئبق، الأحجار، الكرّي (الحصباء)، النيس (رمل البناء)، الرخام، وكل ما كان له قيمة من المعادن الأخرى”. وتنص الفقرة (ب) من المادة نفسها على أنه “يجب الخمس في كل ما استُخرج من البحر كالسمك واللؤلؤ والعنبر وغيره”، فيما تقول الفقرة (ج) أنه “يجب الخمس في العسل إذا غُنم من الشجر أو الكهوف”.

وعقب إثارة هذه القضية، تواردت ردود أفعال الحكومة المعترف بها دولياً، مندّدة ومستنكرة، أجمعت على أن هذا القانون يعزز العنصرية في اليمن، مثل ما جاء في بيان هيئة رئاسة مجلس النواب، ووزارة حقوق الإنسان.

كذلك ما جاء على لسان رئيس الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، معين عبدالملك، ووزير الإعلام معمّر الإرياني، فيما بعث وزير الخارجية محمد الحضرمي، خطاباً إلى مبعوث الأمم المتحدة لدى اليمن، مارتن غريفيثس، اعتبر فيه أن “اللائحة تضمّنت بنوداً تؤكد الطابع العنصري للحوثيين”. أما عربياً، فقد أدان البرلمان العربي، وثيقة الخُمس، معتبراً أن ما جاء فيها “يعد سلوكاً عنصرياً ممنهجاً ومرفوضاً”.

وفي حين يُعد قانون الخُمس أحد أهم ما يميز الاقتصاد الإسلامي الشيعي، إلا أن ردود أفعال التيارات الإسلامية الأخرى، مثل التيار السنّي، نددت بهذا القانون، مستندةً على مفاهيم علمانية، مثل الدستور والقانون والمواطنة والمساواة وحقوق الإنسان، وليس على خلفية دينية فقهية. أبرز ردود الأفعال تلك، بيان حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن)، وبيان هيئة علماء اليمن.

‏محمد عبدالقدوس، نائب رئيس وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” الخاضعة لسيطرة أنصار الله (الحوثيين)، قال لـ”خيوط”، إن “قانون الزكاة ليس بجديد، بل إنه أُقرّ في دولة حزبي المؤتمر (الشعبي العام) وشريكه الإصلاح (الإخوان المسلمين)، وأن أعضاء البرلمان عن الحزبين سبق وأقرّوه في البرلمان عام 1999”. وأضاف عبدالقدوس أن “هذا الموضوع شرعي وليس سياسياً، وتسييسه غير منطقي، خاصة أن هذا أمر مجمَع عليه بين جميع المذاهب الإسلامية، حتى تلك الفرق الأشد عداء لآل البيت (الهاشميين)”، معتبراً أن “آل البيت لا تجوز عليهم الزكاة، وقد تم استثناؤهم بإجماع المذاهب، وتمت معالجة وضعهم من خلال مصدر مالي آخر وهو الركاز (المعادن)”.

ويبرر أنصار الله (الحوثيون) قانون الخُمس بأنه امتداد لقانون الزكاة الصادر عام 1999، وأن الخُمس أقرّته التشريعات السنّية. ويغفل هذا الزعم حقيقة مهمة، وهي أن ذلك القانون أقرّ بالخُمس من دون تخصيصه لبني هاشم، بل للفقراء عامة، كبقية بنود الزكاة.

رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي، قال لـ”خيوط”، إن تعديلات أنصار الله (الحوثيين)، “مسألة غير قابلة للمنطق”، ووصفها بـ”الإجراء العنصري”، وأنها “تقر ميزات لفئة من الناس دون غيرهم بناءً على الانتماء العرقي”.

ورأى الأحمدي، أن “هذا القانون يفضح الوجه الحقيقي لقادة الحوثيين (أنصار الله) والتصور الذي ينظرون به إلى المجتمع بتقسيمهم له إلى سادة وعبيد، وبالتالي، فإن الحل يبدأ في نزع السلاح من أيدي الجماعة وتحرير اليمنيين الخاضعين لسيطرتها، ومن ثم يمكنها اعتقاد ما تشاء والتعبير عن رأيها فيما تشاء دون أن تفرض ذلك على الناس بالقوة”.

ويتفق كثير من الباحثين والمفكرين في انتقاد قانون الخُمس، مثل الباحث في الدين الإسلامي، محمد عزان، الذي غرّد في صفحته على “تويتر” بأن “موضوع الخمس رأي مذهبي ولا يصحّ أن يُفرض على اليمنيين كقانون باسم الشريعة الإسلامية، لأنه يظل اجتهاداً خاصاً بمذهب معين ولا يمثّل عامة المسلمين في اليمن”.

ولا شك في أنه إذا ما تم تنفيذ هذه التشريعات الصادرة عن سلطات جماعة أنصار الله (الحوثيين) في المناطق التي تسيطر عليها في اليمن، ومنحت الهاشميين خُمس ثروات البلاد بدعوى أنه حق شرعي لهم، فإن ذلك سيعمّق الشرخ الطبقي، ويزيد من الانقسام الاجتماعي على أسس عنصرية ومذهبية.

إن هذا القانون القائم على فرز عنصري ومذهبي، يتنافى مع كل الأعراف الدولية والقوانين الإنسانية، كما أنه يهدد المواطنة المتساوية وقيم العيش المشترك اللذين كفلهما الدستور اليمني، إذ ينصّ على أن المواطنين اليمنيين متساوون في الحقوق والواجبات.

وتكمن خطورة القانون الذي تسعى جماعة أنصار الله (الحوثيون) لتنفيذه، في أنه يسعى لتمييز فئة مجتمعية معينة عن باقي المواطنين اليمنيين بشكل قانوني، ما يهدد ما تبقى من أواصر وصِلات بين أفراد الشعب اليمني وفئاته، ويزيد من الفجوة والهوّة بينهم، وهو ما سيساهم في إطالة أمد الصراع ويقلل من فرص السلام في هذا البلد.

أحدث الأخبار
stop