السبت ، ٠١ اكتوبر ٢٠٢٢ ، آخر تحديث الساعة ٠٩:٠٢ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - صديق الرؤساء والبسطاء
عزت مصطفى

صديق الرؤساء والبسطاء

عزت مصطفى
الثلاثاء ، ٠٢ أغسطس ٢٠٢٢ الساعة ٠٨:١٣ صباحاً

 

وضِّعَ الطعام على السفرة في أول ليلة عمل لي في صحيفة "الثوري" كمحرر للقسم الثقافي خلفًا لصديقي الشاعر علي دهيس الذي سافر للدراسة؛ تجمَّع الزملاء للعشاء وكان معظمهم ممن ألتقيه للمرة الأولى ليلة إصدار العدد الأسبوعي ذاك.

بوجهٍ خالٍ من التعابير عادًة ما أبدو عليه وأنا استكشف مكانًا جديدًا بقيت أبحث عن صالح الحميدي وأسأل كل من تقع عيني عليه: أين صالح؟ متى سيأتي؟ هل يتأخر عادًة؟ هل من المرجح حضوره؟

في منتصف العشاء أطل الحميدي وانتصف السفرة بجواري مرحبًا بصوت عالٍ عندما رآني؛ وكانت رؤيتي له مبعث أول ابتسامة أعتلت وجهي بكل البهجة تلك الليلة بعد ساعات من التحايا الباردة الاستكشافية بيني وبقية الزملاء.

لم تمض بضع دقائق إلا وقد ذاب جليد اليوم الأول في المكان في ليلة شتائية باردة من العام 2002م؛ كانت طريقة صالح الحميدي الترحيبية معبرة وخاصة جدًا؛ في الحقيقة لم تكن خاصة تمامًا بل أنها طريقته الاحتفائية بالجميع لكنها تشعرك أنها ترحيب لم يسبق أن أبداه لأحد غيرك وإن كان يعامل الكل هكذا أمام الكل دون تصنع أو تزلف؛ كان يحب الناس ويرحب بالجميع في جمع كبير وكل واحد منهم يشعر أنه حظي بالاحتفاء أكثر من غيره.

من غير صالح الحميدي يتقن هذا الفن؟ بكل هذه التلقائية والبساطة؟ وكيف يحصل بالمقابل على ردود الفعل الصادقة من الغير؟

لقد كان صادقًا وعفويًا؛ محبًا بسيطًا من غير تكلف؛ ودودًا بطبعه؛ وقد أضفت روحه المرحة لمسة من السحر على علاقاته؛ ليست بأصدقائه؛ بل مع خصومه أيضًا.

عرفت خصومًا لصالح الحميدي؛ على الأقل بين زملاء مهنة يتنافسون ويتموغدون أحيانًا؛ لكنه لا يمضي وقتٌ طويل حتى أكتشف أن الحميدي الفذ قد أحال خصومه إلى أصدقاء حميمين؛ بكل ما تعنيه الكلمة.. كنت أسأل نفسي كيف يصعد الجميع في حافلة الحميدي هكذا دفعة؟ باختصار لقد كان يحفل بالجميع أصلًا لأنه طبع في أصله مع الكل أيًا يكونوا أصدقاء أو خصوم؛ فخصومات صالح الحميدي كانت معظمها -أو كما شهدت عليها- كانت دائمًا من طرف واحد وكان يقابلها من جهته بالحب ورد الفعل الجميل غير المتوقع.

لماذا كنت أسأل بإلحاح عن صالح الحميدي في أول ليلة عشاء ليلة أول إصدار أعمل عليه في "الثوري"؟ عرفت الحميدي قبلها بخمس سنوات في صحيفة "الشورى"؛ هو رئيس قسم التحقيقات وأنا مراسلٌ من الحديدة؛ زار الحديدة بعدها؛ اتصل لي: أريدك أن تدلني في هذه المدينة لإجراء تحقيقات صحفية ومقابلة مسؤولين.

بعد جولة لأيام في الحديدة في سنة ما نهاية التسعينات؛ تملكتني غيرة منه؛ من هذا الذي أتى لتوه وعقد كل هذه العلاقات بنخبة المدينة بهذه السرعة؛ حتى أنه وطّد علاقات بأشخاص عرفته أنا عليهم ولم أكن قد وصلت بعد لمستوى الصفاء الذي وصله هو في علاقته قريبة العهد بهم.

كانت هذه إحدى مشكلات صالح الحميدي مع كثيرين "الغيرة من مقدرته العجيبة في تشبيك العلاقات"؛ ومع ذلك كانت هذه الزيارة القصيرة للحميدي سببًا كافيًا ليكون واحدًا من قلائل أعدهم أصدقاء عمري.

لماذا كنت أبحث عن صالح الحميدي وانتظره وأنشغل عن العمل في أول يوم دوام لي في "الثوري" بالسؤال عنه؟ ما إن جلس بجواري إلا وبدأ بمقلب طريف بيني وبين زميلنا في توزيع الصحيفة المرحوم/ عبدالخبير الصبري؛ كان المقلب كفيلًا أن يحيل المكان الذي اجتمع فيه الزملاء كافة إلى صالة متفاعلة بالتعليقات والصخب والحياة.. كنا نتعشى بصمت وفجأة ضج المكان بقدوم صالح؛ وصرت في دقائق أعرف الجميع وأبادلهم المشاكسات وكأننا أصدقاء طفولة ولست زميل اليوم الأول في الدوام.

رغم الصداقة الوطيدة؛ تكتشف كل مرة تلتقي فيها صالح الحميدي شيئًا جديدًا مبهرًا في شخصيته؛ وتدرك أنك لم تعرفه عن قرب بعد؛ كان صديقًا لرؤساء جمهورية ورؤساء وزراء سابقين وحاليين؛ وصديق لمسؤولين كبار ما زالوا في مناصبهم؛ رجال أعمال؛ أما في الوسط الصحفي فهو يعرف الأغلبية من كافة المحافظات؛ لا يعرفهم وحسب بل كان صديقًا لهم.

فوق ذلك كان معظم أصدقاء صالح الحميدي من البسطاء؛ وكلما عرفته أكثر غبطته على قدرته وطاقته الهائلة في تحمل عبء وضغوط كل هذه العلاقات التي كان يشبكها بصدق وحب.

زرته مرة عام 2006م في منزله بشارع القاهرة بصنعاء؛ وجدت بيته ملاذًا لعديد من أبناء قريته وأصدقائه من الضالع الذين قدموا من الريف إلى العاصمة يتحسسون فيها فرص عمرهم للعمل أو الدراسة؛ كانوا يسكنون ويأكلون وأحيانًا يأخذون مصروفهم منه إلى أن يحصلون على فرصهم في الحياة؛ وكان صالح يمضي علاقاته أيضًا في مساعدتهم؛ وما أن يحصل الواحد منهم على ما جاء من أجله من عمل أو دراسة غادر؛ لكن يأتي غيرهم إلى صنعاء وهم يركنون أن لهم فيها ملاذًا اسمه صالح الحميدي.. وهكذا.

قلت له بيني وبينه: كيف تحتمل هذا الضغط؟ وأسهبت: لديك التزامات مالية ومشاغلك كثيرة.. كيف تدبر المال والوقت للانشغال بالظروف التي يمر بها هؤلاء؟ ضحك ملء قلبه ومحياه؛ وأغلق الموضوع.

كان صالح الحميدي شهمًا وكريمًا مع أبناء منطقته النائية؛ مع زملائه الصحفيين؛ وكل من يلجأ إليه أو يتعرف عليه بالصدفة حتى، حتى أني اقتنعت أن خدمته للناس هي مبعث سعادته وسر الطاقة البهيجة التي كان يبثها حوله إلى آخر لحظة له في هذه الحياة.

حين انتقلت للإقامة في مصر؛ اتصلت بصالح الحميدي؛ معظم الصحفيون القادمون إلى القاهرة يتصلون به وإن لم يفعلوا اتصل بهم؛ كنا قد التقينا قبلها في الرياض؛ زارنا في مقر إذاعة صنعاء المؤقت هناك كوكيل لوزارة الإعلام لشؤون الإذاعة؛ كنت حينها مديرًا للبرامج فيها؛ والمساعي الأبرز له رغم اشتداد مرضه في السنوات الأخيرة كانت متعلقة بحل قضايا متعلقة بتسوية أوضاع زملائه في الإذاعة؛ يغادر القاهرة إلى الرياض وعدن ليطرح قضايانا؛ وحين يقسو عليه الوجع يتابع رئيس الوزراء والمسؤولين عبر الهاتف من سريره في المستشفى، ويبعث لنا رسائل مسموعة على الواتساب بصوته المتعب يضعنا فيها على آخر المستجدات.

زرته في مرضه الأخير إلى المستشفى الجوي بالقاهرة؛ كان متماسكًا ومقتنعًا أنها أيامه الأخيرة في هذه الحياة؛ وخلال ساعتين كان يقص القصص ويسرد الذكريات ويضحك ويرد على المتصلين للاطمئنان عليه؛ ولم ينسى وأنا أغادر يوصيني ويشدد عليَّ أن أزور زميل لنا كان يرقد في المستشفى ذاته.

لم يكن صالح الحميدي لينسى أصدقائه ويوصي بالسؤال عنهم حتى وهو يغادر الدنيا إلى بارئه.

كنا نتوقع نتيجة الصراع مع المرض التي خاضها صالح الحميدي رغم أنه انتصر على مرضه في جولات كثيرة وعمليات معقدة عديدة؛ إلا أننا شعرنا بالصدمة ليقيننا أن الحميدي لا يستسلم؛ أو أننا لم نتصور أن ضحكته قد تغيب فجأة.

الرحمة والخلود لروحك المحبة صديقي العزيز أبا خلدون

محبك/ عزت مصطفى

أحدث الأخبار
stop