الاربعاء ، ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ ، آخر تحديث الساعة ٠٢:٣٩ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - ثقافة وفن - غائب حواس.. قل سبتمبر من أمر ربي

غائب حواس.. قل سبتمبر من أمر ربي

غائب حواس

 "لاشك أن الشعر الجيد هو التاريخ الأصدق حتى للتاريخ الكاذب، فقد تحولت القصائد الجياد إلى برهان تاريخي أو إلى بديل عن التاريخ. ولعل هذا ما أشار إليه هشام بن عبد الملك: لأن أُهجى بقصيدة جيدة، خيرٌ من أن أُمدحَ بقصيدة رديئة" فإذا كان الشعر بجملته تاريخ التاريخ، فإن الإجادة تاريخية الشعر، كفن حاكم على الأحداث وصناعتها.." البردوني.

غائب حواس.. قبل أن تلج عالم أفكاره توضأ بماء الشعر مرة، وبماء الفكر مرتين..



غالبية الشعراء ينظمون شعرهم من ومضات وهجسات، أو إشراقات وخواطر، عدا غائب حواس فشعره ـ في معظمه ـ من فكره؛ خاصة ما اتصل منه بسبتمبر المقدسة وابنتها "الجمهورية" المصون. وقصائده بالمئات، وتجمع بين الكم والكيف؛ لكن للأسف لا يلملم شتاتها ديوان واحد..! للمثقفين كسلهم الارستقراطي الباذخ.! وهو أكسل شخص في قارة آسيا حسبما يحكي عن نفسه..!

قصائد ينث لها، ومنها، وفيها مهجة فؤاده.. صيحات بعث، وغضبات حرب.. هجسات روحية بلا مريدين؛ لكن مريديه يتخلقون اليوم بصورة غير مسبوقة. 

غائب.. سيحيا بعد مماته أكثر، حين يأتي الجيل القادم باحثا عن كنوز آبائه، فيجد من بينها كنزا عليه غبار الزمن، هي مئات القصائد الإلهامية لفكر أثبتت لنا الأيام أنه ما كان ينبغي أنه نشرك معه فكرا آخر.. إنه أحد رافعي راية التوحيد السبتمبري، ومحطم أصنام الخرافة وأوثان الجهالة والكهنوت الإمامي؛ تماما.. كما فعل ابن عبدالوهاب في جزيرة العرب مع الشرك الديني..! للسياسة أيضا شركها، فلا تستغربوا، وما نحصده اليوم هو نتاج هذا الشرك الأكبر.. الأكبر..! ولأنه الزعيم الذي لم يرد الزعامة، لأن من سعى للزعامة فليس بزعيم، فهي تأتيك ولا تأتيها..!  

صحيح أنه لم يتخذ حوزة أو هجرة، لكن ستكون قلوب وعقول الجيل القادم كلها حوزات لغائب وأقرانه الجمهوريين بحق.. السبتمبريين بحقيقة. كثيرون من الفلاسفة والشعراء والأدباء اشتهروا بعد مماتهم أكثر من حياتهم. وكتاب "الأمير" لنيقولا ميكافللي لم ير النور إلا بعد أن اندفن خمس سنوات بين أكوام المهملات، وصار اليوم حديث الخاصة والعامة. كتاب فتح القدير للشوكاني عادت نسخته الأصل من الهند وقد شارفت على الضياع سنوات طوال..!

تأملوا معي جيدا، وهو يعلن النفير العام: 

"لا يمكن لأيِّ يمنيٍّ يحملُ بقيّةً من شرف أن يكون وَسَطًا في معركةٍ يكون سبتمبر طرفًا فيها"

وبنظرة فيلسوف يقرر:

"أيلول هو صراط شعبنا المستقيم، والمُحايدُ منه حائدٌ عنه".

ألا تستحق مثل هذه الخطرات أن تكون طغراء كل خطبة وقلادة كل جيد؟! يجب أن يفتتح بها خطباء الجمعة خطبهم الرثة التي لا تجلب معها إلا النعاس..!

ألا تستحق أن نزين بها يافطات الشوارع المعلقة، ولوحات المجالس المتأنقة؟! وقبل ذلك نزين بها عقولنا وبصائرنا.. وهو الأهم.

قلم.. وأي قلم..! لا يشبهه إلا لسان ابن حزم أو سيف الحجاج! وأين؟! في صعدة وكْر الإمامة.. وكر السنجاب!! وهذا هو النبل السبتمبري. "ليس من الشجاعة أن تمدح الأثينيين في أثينا؛ ولكن من الشجاعة أن تمدح الأثينيين في أسبرطة" هكذا كان يقال إبان العداوات الأثينية الأسبرطية..! وبمفهوم المخالفة جرب أن تنازل الإمامة في صعدة، أو تنازعهم..!

مَنْ حاربوا الثُـوّارَ فـي سبـْتـمـبرٍ عـَـــادوا و قـَـــالـُـوا أنـّهـُــم ثـُـوّارُ

و مُقَـبّـلـُو رُكـَـبِ الأئـمَةِ أقــبَـلـُوا يـَتـَـشـَـدّقـُـونَ بـأنـّـهـُـمْ أحـْـــرَارُ

المُؤمـنُونَ مُنـافِـقُونَ ـ بزعـمِهِـمْ والمُسْلمُون ـ بشرعِـهِم ـ كُـفّارُ

غطّوا مفاضحَ عارهم بشعارِهِـم فـوُجـُودُهـُم عـارٌ عـلـيه شِــعَـارُ

الدجـلُ دَيـدنُـهُمْ و مبدأُ دينهِم: اقتـلْ و صَـلِّ .. وربُّــكَ الـغَــفّـارُ

أقتـل و صـلِّ على النـبيِّ و آلِـهِ يـشــفـعْ ذنوبَـكَ آلـُهُ الأطـهـارُ !

لا أدري بمن تأثر ابتداء.. ولا كيف تشكلت خيوطه الإبداعية الأولى؛ لكن ما أعرفه أن سبتمبر وحي هبط عليه، وضمه إلى صدره، وغسله بطست ماء، فأخرج منه حظ الإمامة في البيئة الإمامية، قائلا: هذا حظ الشيطان منك. 

مرة أخرى..

"الدين والوطنية والجمهورية والثورة هي رصيد الشعب والأمة، وليست ملكنا ولا ملك فلان أو فلان؛ بل نحن جميعاً عيالٌ عليها، ولا يجب مؤاخذتها بأخطائنا ومواقفنا وعداواتنا وصداقاتنا.."

 لم يكن مثل هذا الكلام إلا من وحي الإبداع، لأنبياء الفكر. ومصلحي المجتمعات. فيا زعماءنا إن لم يكن غائب أحد أيقونات مناهج التعليم في المرحلة القادمة فلا خير فيكم.. 

إنه زبيري عصره بثقة واقتدار، ينقصه "ناصر" زمانه.. و"ناصر" مخرج اليمنيين من الظلمات إلى النور..!

وطني أبو الأحرارِ نَهْدَةُ صَدرهِ حُريّةٌ وَ زَفـــــــــيرُهُ اْستقلالُ

عبدُ الرّقيبِ يحُــدُّهُ من غربِهِ و يَحدُهُ من شَــــرقهِ السَّـلّالُ

وَ رِفاقُهُم قِمَمٌ تَحــــدّرَ نبعُها وَ وَريدُ كلِّ مُناضلٍ شَـــــــلَّالُ

مرة أخرى غائب والإمامة وسبتمبر:

"إننا ندرك جيّدًا أنّ ثورة سبتمبر و تجديد الوعي السبتمبري يقوم في الجسد اليمني مقام المناعة في جسم الإنسان، في حين تقوم الإمامة وسُلالتها مقام الفيروس المستشري في هذا الجسد. و في كل مرحلة من المراحل التي يضعف فيها الوعي السبتمبري ـ جهاز المناعة ـ لدى اليمنيين كانت فيروسات السُّلالة الإماميّة تهاجم جسدهم الوطني وتنهكه و تمصُّ دمَه .. هذا ما حدث"

إن هذا من فلسفة الجمهورية الجديدة. ومن مُوجِّهاتها الفكرية ومواويل أرواحها المتطلعة.. 

غائب.. ليتك تعرف حَجم وكمِّ التموجات الغاضبة التي أحدسها بين مسامات هذا النص التي قد لا تحس بها أنت؛ لأن الورد لا يشم ما ذا يعبق..! وإني لمتسائل: هل ستمن علينا السماء بمسؤولين لهم رؤوس بلا بطون خلال مرحلتنا القادمة، كما أشرت؟! يقدرون مثل هذه الدرر؟ وهل سترمينا السماء بـ"حمدي" جديد، يرمم فينا انكسارات الروح، ويروي فينا ظمأ اليباس؟! المرحلة تقتضي رأسا يسهر خمسة وعشرين ساعة في اليوم..! الرؤوس الحافية اليوم تتزاحم على قارعة العودة، ونفايات الساسة تسعى لأن تعيد إنتاج نفسها من جديد؛ لكن مع هذا، كلي ثقة بأن 11 فبراير 2011م قد خلقت حالة شبابية نادرة، لم تُخلق مثلها في أي بلد من بلدان الربيع العربي، قمينة بتجاوز كل العقبات، لن تشرق معها شمس جديدة فحسب؛ بل ستُزهر معها أماني الأنبياء.. ألمح ذلك بين تقاطيع وجه الثائر محمد المقبلي، كما ألمحها بين عيون آخرين، كثر..

صنعاءُ صَبركِ لا يضـــــــيرُك ناعقٌ كم ذا و كم ذا تنــــــــعقُ الأبواقُ

هزّي إليكِ من الجـُـــــذُوعِ بطيّبٍ ضُرِبتْ لهُ فــــــــي تربكِ الأعراقُ

لا تحملُ الأشجارَ غــــيرُ جُذُوعِها و على الطريق ستسقطُ الأوراقُ

غائب.. حين سفح الدم على جسدك يوما ما في صنعاء، جراء رصاصة غادرة، من مأجور آثم وأنت تدافع عنه، وعن كينونته، ما ذاك إلا ترجمة عملية لإعلانك الحميري الشهم:

نحنُ الــــــكرامُ إذا اقتضانا موقفٌ جُدنا بحــــــبّاتِ القُــــــلوب ثمارا

وإذا اْستجارَ بنا الصَّريخُ وَ لم يكن غَوثٌ سِوى دَمِــــنا جَرَى وَأجارا

كأني بزميلك في الحرف، وفي النضال، الشاعر محمد صالح الجرادي يخاطبك بقوله:

الحزن حزنك..

وحدك المغروز في وحل الليالي

الضانكات بماء روحك..

أتعبتك شجونك القروية الخجلى

وأغوتك المدائن عن أمانيك التي

أهدتك من ذوب الطفولة

قهقهات الحلم،

والأمل الضحوك.

أما أنا فليس لي إلا أن أردد ما قاله شاعر قديم: 

                         ولي كَبِدٌ مقروحةٌ مَنْ يبيعُني بها كَبِداً ليــــسَتْ بذاتِ قُـرُوحِ

 

حسنا.. لنختتم بهذا النداء الأخير:

قل "للسّعيم" أنا الشّهيدُ القادمُ * لا نــــــادحٌ عنها و لا أنا نــــــادمُ

أنا خادمٌ وطني و أنت مُسَـــــخَّرٌ * مِسْخٌ على بـابِ الإمامةِ خــادمُ

أنا قادمٌ من حِــــــمْيَرٍ و ولائِها الـ * أوفى و أنتَ من الخـــيانةِ قادمُ

فلسَوفَ تلعنُ منك مـا حَمَلتْ بهِ * حوّى و يبرأُ مــــــن خَلاقِكَ آدمُ

يا أيّها المُرتدّ عــــــــــــــن أيلولِنا * سنصدّ عن أيـــلولنا و نُصَادمُ

لن ننـــــــــــثني ما دام حُرٌ واحدٌ * فيــــــــــنا لأوثان السُلالةِ هادمُ

ما دام خَفْقَ قلوبنا ســــــبــتمبرٌ * و هَواهُ في دَمِنا، وَ دَامَ لنَــــا دَمُ

أنا قادمٌ لأردّ عادي البغيِ عــــنْ * شعبي ومثلي كلُّ شعبي قادم

 

 مقال سابق للباحث ثابت الأحمدي